شــؤون تربويـــة

مقالات، مواضيع و اخبــــار


وظائف التكوين المستمر من خلال توجهات الميثاق الوطني للتربية والتكوين

تقديـم
تشكل عملية التكوين المستمر دعامة أساسية، لإقرار ما اصطلح عليه في الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالمدرسة المغربية الجديدة، المعتمدة على التعلم الذاتي والمنفتحة على محيطها المجتمعي والثقافي والاقتصادي، وما اصطلح عليه أيضا بالجامعة المنفتحة على التقدم الكوني في مجال المعارف والتقنيات، والتي قد تشكل قاطرة للتنمية، من خلال تزويد مختلف القطاعات بالأطر المؤهلة والقادرة على مسايرة إيقاع الإنتاجية والجودة بالأمم المتقدمة. والهدف من وراء ذلك، هو منح الأفراد فرصة اكتساب القيم والمعارف والمهارات التي تؤهلهم للاندماج في الحياة العملية؛ وتزويد المجتمع بالكفاءات من المؤهلين والعاملين الصالحين للإسهام في البناء المتواصل لوطنهم، على جميع المستويات ومن العلماء وأطر التدبير ذوي القدرة على زيادة نهضة البلاد، عبر مدارج التقدم العلمي والتقني والاقتصادي والثقافي[1].
لذلك، أقر واضعو الميثاق بضرورة التكوين المستمر، الفعال والمستديم، على أساس الأهداف الملائمة للمستجدات التعليمية والبيداغوجية؛ وأيضا بغرض تحسين كفايات أطر التربية والتكوين والرفع من مستواها وإعادة تأهيلها بصفة معمقة؛ وفي ضوء الدراسةالتحليلية لحاجات الفئات المستهدفة وآراء الشركاء ومقترحاتهم بخصوص العملية التربوية؛ من آباء وأولياء وذوي الخبرة في التربية والاقتصاد والاجتماع والثقافة[2].
فما هي دلالة التكوين المستمر، وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات التكوين التربوي بكل أصنافها من أجل تفعيله ؟
1. دلالة التكوين المستمر:
حينما نتحدث عن التكوين المستمر Formation continue، فإن الأمر يتعلق بمجموع الوسائل والإمكانات [المعرفية والمهاراتية] الموضوعة رهن إشارة المتعلمين، كيفما كان مستواهم الاجتماعي والمهني، لكي يتابعوا التكوين، بغرض تطوير قدراتهم وكفاياتهم. فهو بمثابة تحيين للمعارف وتنمية لروح البحث كضمانة للإرادة في التقدم وفي إغناء المعلومات حول المضامين والمناهج البيداغوجية وتبادل الآراء حول التجارب وتغيير التخصصات إن أمكن ذلك.
ويلاحظ الباحث الفرنسي جي جورج Guy Georges في نص له بعنوان "أي مدرسين لأي نظام تربوي؟"[3]، بأن أهمية التكوين المستمر تتمثل في استجابته للحاجات البيداغوجية والمعرفية والمجتمعية [مثلا، الحاجة إلى إصلاح المنظومة التربوية واكتساب الكفايات الضرورية لمسايرة التقدم التكنولوجي والعلمي والثقافي].
وتبرز هذه الأهمية عبر مجموعة من المقتضيات، التي تتلخص في:
- تجديد المعارف والكفايات المؤهلة لممارسة مهنة ما.
- تعزيز قابلية التطور لدى الشخص، لأن التكوين المستمر عملية منفتحة بشكل دائم. وبذلك فهو يساهم في تطور النظام التربوي، وفي دعم سياسة التجديد والإصلاح التي يجب أن تكون مستمرة بدورها.
 وتندرج هذه المقتضيات ضمن مجموعة من السياقات التي نذكر من بينها:
- السياق السوسيو – اقتصادي الذي يستدعي تفعيل مهارات وكفايات ودرايات الأشخاص وتطويرها، وأيضا تعميم التكوين الذي لن يصبح خاصا بفئة أو نخبة معينة، كما أن الحركية المستمرة للمجتمع، تتطلب مسايرة هؤلاء الأشخاص لها، عبر إتقان مستمر لعملهم.
- السياق التربوي الذي يستدعي ربط المضامين الأكاديمية بالمضامين البيداغوجية، وربط المعارف النظرية بالتداريب العملية في إطار ما يعرف ببيداغوجيا حل المشكلات. ويتعين في هذا الإطار، التأكيد على الروابط القائمة بين التكوين الأساسي والتكوين المستمر، وخلق الجسور بين طرق ومناهج ومضامين التكوين هنا وهناك. كما يتعين النظر إلى التكوين المستمر من منظور التكوين الذاتي auto formation، كعملية إرادية وكمشروع شخصي لاكتساب وتنمية المعارف والكفايات، وكتدبير ذاتي للموارد وللوسائل البيداغوجية ولمعايير التقييم.
     وكما هو معلوم، فإن التكوين المستمر وثيق الصلة ببيداغوجيا الراشدين pédagogie des adultes،وهي البيداغوجيا التي تهدف إلى تنمية المعارف والمواقف والقدراتلدى هؤلاء الراشدين، حتى يتسنى لهم ممارسة دورهم داخل المجتمع، بطريقة نقدية وفعالة.
وهذا الربط بين نمو المعارف والاستعدادات والمواقف من جهة؛ وممارسة الدور الاجتماعي النقدي من جهة أخرى، هو الذي يعمق الوعي بحاجيات الواقع ويسمح بإدراك رهانات المستقبل.
وهنا تطرح مسألة فعالية التكوين والدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات التكوين التربوي في هذا الإطار.
2. مؤسسات التكوين التربوي وضرورة التكوين:
تعد مكانة ودور البيداغوجيا والديداكتيكا وما يقترن بهما من تطبيقات وتداريب عملية، أساسية في عملية التكوين بهذه المؤسسات، لكن حضور المعارف النظرية لا يقل أهمية. ويتم هذا الحضور في إطار استراتيجدية بيداغوجية تروم الاستجابة لحاجيات الراغبين في التكوين ومنتظراتهم المعرفية والمهنية. وتستدعي معالجة هذه المسألة، الوقوف على مبادئ التكوين والغاية منه.
2.1. بخصوص مبادئ التكوين: يمكن تلخيصها في ستة، وهي:
2.1.1.تساوي حظوظ التكوين بالنسبة للجميع:
ويضمن هذا التكوين جانبا أكاديميا، هدفه إكساب مضامين معرفية (في حقول متنوعة) وجانبا بيداغوجيا، يهدف من الناحيتين: النظرية والتطبيقية، إلى تطوير قدرات المتكونين واستعدادهم للانفتاح على آفاق معرفية ومهنية جديدة.
2.1.2. تعزيز التكوين المستمر للمكتسبات السابقة:
يؤدي غياب التكوين المستمر إلى تحجر هذه المكتسبات وإلى اصطدام الشخص بعوائق معرفية وبيداغوجية ومهنية.
2.1.3.التكوين ومناهضة "الوصفات" البيداغوجية الجاهزة:
        ويسمح التكوين المستمر بالتكيف مع الوضعيات الجديدة. ولا يمكن في هذا الصدد قبول الوصفات، إلا كنقطة انطلاق الممارسة البيداغوجية.
2.1.4. التكوين هو تعلم في الأساس:
حيث إن النشاط الخاص للمتعلم، كنشاط معرفي ووجداني، يوجد في العملية المعرفية. فالمتعلم يعتبر فاعلا ومؤلفا لما يتعلمهacteur/auteur . وهي الفكرة التي تتناسب مع قولة شهيرة لألفين توفلر A.Toffler، مفادها أن الأمي في المستقبل؛ لن يكون هو من يجهل القراءة، بل هو من لم يتعلم كيف يتعلم. وبذلك يقترن التعلم بمبادرة الذات وفعاليتها والأهداف التي رسمتها لنفسها. 
2.1.5.التكوين في جوهره هو تكوين الإنسان:
فمن أهداف التكوين الأساسي، إدراك معنى العلاقة مع الآخر والتفاعل العقلاني والوجداني مع المحيط الاجتماعي والبيئي...
2.1.6. التكوين وثيق الصلة بالحياة وبالمعيش اليومي:
حيث يرتبط الأشخاص فيما بينهم ويتفاعلون كذوات مسؤولة[4].
في ضوء هذه المبادئ، تطرح مسألة الحاجيات والمنتظرات وبالتالي، الغاية من عملية التكوين.
2.2. الغاية من التكوين ومنتظراته:           
يقتضي التكوين وجود ثلاث خصائص مميزة على الأقل، سيكون لها تأثيرها على المسار المهني للمتكوّن، وهي: الاستعداد والكفاءة والمسؤولية. فأن يكون الشخص مستعدا، معناه أن يمتلك قدرات تسمح له بالتكيف مع أكبر عدد من الوضعيات الجديدة؛ وهو ما يمكنه من مسايرة التغيرات الحاصلة على المستوى المؤسساتي، أي التكيف مع ما تم الإقرار بصلاحيته داخل ما هو جديد.
ويقتضي التكوين على الاستعداد، تكوينا على الكفاءة، لأن الاستعداد المتكيف مع المنتظرات والمستجدات، يتطلب كفاءة فعلية في مجال التخصص وفي المجال المهني. ومن هنا ضرورة إعطاء الأهمية في التكوين للمعرفة ولمعرفة التبليغ savoir transmettre وللإتقان savoir-faire.
ويستدعي الاستعداد والكفاءة، تكوينا على المسؤولية، لأن الأمر يتعلق بالدور الموكول للفرد في محيطه الاجتماعي والمهني، كي يكون واعيا بأبعاد مهمته وبدوره الاجتماعي وبالوسائل التي يتعيناستخدامها من أجل القيام بهذه المهمة وبهذا الدور. وبذلك، يكون مهيأ لإصدار الأحكام النقدية على محيطه وعلى ذاته[5].
تحيلنا هذه المقتضيات على خاصية أخرى، وهي الاستقلالية التي تعتبر شرطا لكل ممارسة نقدية. ويتعلق الأمر هنا، بالقدرة على التكوين الذاتي وعلى المبادرة والفعالية واتخاذ القرار. وهو ما يسمح للمتكون بالنظر إلى ثقافة المحيط الاجتماعي والمهني، وإلى المواقف والسلوكات المتخذة داخل هذا المحيط، بعين ناقدة وبأذن صاغية لمتطلبات الحاضر ومنتظرات المستقبل. إن الاستقلالية هي بمثابة حرية، يمكن للشخص بمقتضاها أن يمارس مواطنته وأن يتصدى لمنطق التقليد والقطيع. لأن تكوين المواطن كما هو معلوم، يعني تكوين عقول حرة ويقظة ومسؤولة أخلاقيا، وهي من جهة أخرى، تعني قدرة الفرد على تحديد أهدافه وتدبيرسلوكه، انطلاقا من قواعد ومعايير تلبي حاجياته الخاصة وتستجيبلاختياره الشخصي وتضمن روح المشاركة والمبادرة والمسؤولية لديه. وهذه المواصفات جميعها، مقترنة بعملية التكوين الذاتي التي يكون فيها الشخص منخرطا في أنشطة البحث والإنتاج وبلورة المشاريع الشخصية.
وهنا يطرح السؤال: ما هي المعارف التي ستكون مفيدة سنة2020 أو سنة 2040؟ طبعا ليست هناك إجابة نهائية وقطعية على هذا السؤال، لكن ما يمكن إقراره، هو أن الثورات في مجال الإعلاميات والمعلوميات، استلزمت من المتعلم، تدبير كل المعطيات المعرفية المتوفرة لديه، بما في ذلك ما هو محتمل وافتراضي وغير مؤكد. "فلم تعد الأولوية تعطى للمضامين، بل الأهم هو جعل المتعلم منفتحا على المعارف غير المألوفة لديه والاستجابة لتحدياتها. وهو ما يستدعي تكوين عقول قادرة على مساءلة ذاتها وعلى مساءلة العالم، ومواطنين قادرين على مناقشة الرهانات الاجتماعية التي تواجههم"[6]
إنها إذن تحديات ذات أوجه متعددة، تكنولوجية واقتصادية وسياسية وثقافية وأخلاقية؛ وهي مقترنة بتحد أكبر، اسمه: العولمة. وهو ما يفسر إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين بالعلاقة القائمة بين التكوين المستمر وانفتاح الحدود وعولمة الاقتصاد ومسايرة التطورات التكنولوجية، حيث جاء في البند 52 ما يلي: "يعد التكوين المستمر، عاملا أساسيا لتلبية حاجات المقاولات من الكفايات ومواكبتها في سياق عولمة الاقتصاد وانفتاح الحدود وتمكينها من اعتماد نهج تنمية المؤهلات تبعا للتطورات التكنولوجية وأنماطالإنتاج والتنظيم الجديدة. كما يعدّ عنصرا مُسهما في ضمان تنافسية النسيج الإنتاجي؛ وبالتالي تيسير المحافظة على مناصب الشغل وفتح آفاق مهنية أخرى، مما يفضي إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمتعلمين"[7]. ويعني هذا، أن التكوين المستمر كعملية تربوية ومعرفية، يروم تنمية الكفايات المهنية والمؤهلات الشخصية وتحيين المعارف وتعميقها وتعزيز القدرة التنافسية في مختلف الميادين، كشرط أساسي للنمو الاقتصادي والاجتماعي ويرتكز نظام التكوين المستمر على عمليات متنوعة الأشكال، تتجلى في ضبط حصيلة الكفايات التي تمكن المتعلم من إثبات مكتسباته المهنية وتحديد حاجاته في مجال التكوين، وذلك من خلال: اكتساب كفايات معينة جديدة، تكييف المهارات وتحيينها، إعادة للتكوين، تمكن المستفيدين من التأقلم مع التحولات الطارئة في أنماط وتقنيات الإنتاج. والملاحظ أن نظام التكوين المستمر، يتمفصل "بناء على منطق السوق، الذي يعد وحده القمين بمواكبة حاجات المقاولات من الكفايات بطريقة فعالة. ويشجع هذا النظام مؤسسات التربية والتكوين على اندماج أقوى في مجال الشراكة مع المقاولات والإدارات..."[8].
طبعا، فإن هذا الإقرار، بضرورة دمج المؤسسة التربوية في المقاولة، يستجيب لها حسب ربط التعليم بالمحيط الاقتصادي وبسوق الشغل. ونحن وإن كنا نشاطر رأي الباحث عزيز لزرق، الذي اعتبر فيه، بأن الهاجس جعل الميثاق الوطني، يختزل التكوين بالمعنى الشمولي، في التكوين بالمعنى المهني الذي يتحدث عن التعليم وفق قاموس اقتصادي، مهني (سوق الشغل، المهارة، المنتوج، المردودية، الاستثمار، التأهيل، الجودة)، بحيث نصبح، أمام بضاعة التعلم التي تخضع لقانون العرض والطلب[9]؛ غير أن هذا الهاجس له ما يبرره مع ذلك، بالنظر إلى الهوة التي ما فتئت تتسع، بين واقع المؤسسة التربوية والمحيط الخارجي. وهو ما جعل المؤسسة الجامعية على سبيل المثال، "تفرّخ" جيوش العاطلين الذين لا يمتلك أغلبهم، المؤهلات والكفايات الضرورية لمواجهة متطلبات الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ومسايرة التحولات الطارئة على هذا الواقع. وبطبيعة الحال، فإن خطاب الميثاق الوطني، سيدعو إلى دمج التعليم في محيطه وإلى الرفع من جودة التكوين؛ وهو ما تم تأكيده ضمن الوثيقة الإطار لمراجعة المناهج التربوية وبرامج تكوين الأطر، حيث تم التنصيص على أن الاختيارات والتوجهات التربوية، تعتمد مبدأ التجديد المستمر والملاءمة الدائمة لمناهج التربية والتكوين، وذلك وفقا لمتطلبات التطور المعرفي والمجتمعي. كما تقر بضرورة مواكبة التكوين الأساسي والمستمر، لمتطلبات المراجعة المستمرة للمناهج التربوية[10]. ولهذا، فإن مجالات التكوين المستمر، ستوزع عبرفضاءات البيداغوجيا والديداكتيك والمعرفة، في أفق جديد تربوي ومعرفي، يستجيب لمتطلبات تنمية المجتمع على مختلف المستويات: اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا. فما هي المساحات التي تحتلها هذه المجالات في عملية التكوين المستمر؟ وما هي مُمْكِناتُها وآفاقها؟
3. مجالات التكوين المستمر:
هناك بكل تأكيد، تداخل بين المجالات السالفة الذكر، لأن الغرض من التكوين المستمر، لا ينحصر في مجال دون آخر، بل يتوخى مسايرة ما وصلت إليه الأبحاث التربوية والديداكتيكية، وماحققته المعارف من تطور. لذلك، فإن الفصل بين هذه المجالات، اقتضته ضرورة التحليل لا غير.
ولأن الخطاب الإصلاحي في مجال التربية، يعتبر بيداغوجياالكفايات كاختيار ملائم، يناسب التوجهات العامة التي حدّدها الميثاق الوطني. ويعتبر التدريس بالمجزوءات – خصوصا بالنسبة للسلك الثانوي التأهيلي – كنموذج مناسب لتفعيل التعلم الذاتي وإيجاد الحلول التربوية، للتفاوت الحاصل على مستوى التعلم، كما يربط بين تصريف المعارف والمواصفات المحدودة للمتعلم[1]، فإن سيرورة التكوين المستمر، يجب أن تراهن على هذه المعطيات جميعها. وبصيغة أخرى، فإن سيرورة هذه التكوين، يجب أن تحيط بيداغوجيا الكفايات والتدريس بالمجزوءات، والربط بين المضامين وحاجيات المتعلم العقلية والوجدانية، في إطار تواصلي مثمر وفعال.
وسنحاول التوقف عند كل معطى من هذه المعطيات الثلاثة، مبرزين خلفياتها النظرية وقيمتها العلمية؛ كما سنعمل في مرحلة ثانية على التوقف عند تجليات التكوين المستمر في الفلسفة وذلك في ضوء هذه المعطيات.
3.1. بيداغوجيا الكفايات كمجال للتكوين:
ماهي المبررات التي تقف وراء الدعوة إلى التكوين في مجال الكفايات؟ وماهي الأسس التي تنبني عليها بيداغوجيا الكفايات؟
لنشر في البداية، بأن مفهوم الكفاية Compétence يتداخل مع مفاهيم عديدة مجاورة له، مثل المهارة  Habileté والقدرةCapacité والاستعداد Aptitude والإنجاز Performance والسلوك    Comportementأو التصرفConduite[2]. وتعرف الكفاية باعتبارها نظاما من المعارف المفاهيمية (الذهنية) والمهارية (العملية)، التي تنتظم في خطاطات إجرائية، تمكن داخل فئة من الوضعيات أو المواقف، من التعرف على المهمة المشكلة وحلّها بنشاط وفعالية [3].
إن هذا التعريف يعني وصف ما الذي ينبغي عمله وإنجازه، أمام وضعية إشكالية تحتاج إلى حل. ويتطلب هذا الوصف اختيار بعض المعارف واستبعاد أخرى، فتصير الكفاية بالتالي، هي المبدأ الأساسي المنظم للتعليم والتكوين. فالأمر لا يتعلق باستعراض للمحتويات، بل بانتقاء لها، سواء داخل المادة الواحدة أو في إطار مواد متعددة [4]، ذلك أن مفاهيم المهارة والقدرة والوضعية والمهمة الإشكالية، هي التي ستحدّد الأساس الذي ستنبني عليه بيداغوجيا الكفايات. وهو ما نستشفه مثلا، من التحديدات الواردة بنشرة الاتصال الخاصة بالبرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان، والتي جاء فيها: "إن مفهوم الكفاية يشمل في مدلوله البيداغوجي، مفهومي القدرة والمهارة بمعناهما المركب، أي أنه لا يحيل على أفعال ذرية معزولة؛ بل يحيل على قدرات ومهارات متعددة ومتصلة ومؤتلفة، في بنية عقلية أو سلوكية أو وجدانية، قابلة للتكيف والملاءمة مع وضعيات جديدة، كما أن مفهوم الكفاية البيداغوجية، يقترن بمفهوم الإنجاز البيداغوجي، الذي ليس مجرد تطبيق ميكانيكي آلي للكفاية، وإنما هو استخدام ونقل إبداعي لها. فالكفاية إذن، ذات طابع شمولي ومندمج، وهي استعداد يكتسبه المتعلم أو يُنَمَّى لديه، ليجعله قادرا على أداء نشاط تعليمي ومهام معينة" [5].
وتستدعي هذه التحديدات، التمييز بين نوعين من الكفايات، وهما:
*الكفايات الخاصة أو النوعية: وهي الكفايات المرتبطة بمجال معرفي أو مهاري أو وجداني محدد، وتندرج في إطار مواد دراسية أو ضمن مجالات تربوية أو ميادين معينة للتكوين، مثل الكفايات التواصلية والمنهجية.
*الكفايات الممتدة أو المستعرضة: Compétences transversales، وهي التي توظففي إطار مواد دراسية متعددة وأنشطة تربوية مختلفة، فهي إذن خطوات عقلية ومنهجية إجرائية، مشتركة بين مختلف المواد الدراسية. ويعني التمكن من هذه الكفايات، الاكتساب التدريجي لاستقلالية التلاميذ في التعلم [6]. وترتبط استقلالية التلاميذ بمفهوم التعلم الذاتي، وبيداغوجيا حل المشكلات الملائمة لعملية تكوين الكفايات. إذ أن أسلوب حل المشكلات يتأسس على فلسفة، تهدف إلى تحقيق أعلى درجة من تكيف الفرد مع محيطه. وينطلق هذا النموذج التربوي من أسس نظرية، تعتبر "بأن عملية التعليم هي نتاج المجهود الخاص للفرد أو لجماعة التلاميذ، كما أنها تؤسس ممارستها على استراتيجية تعليمية تعلمية، ترتكز على سيرورة من العمليات التي تتجه نحو حل المشكلات المطروحة على جماعة من التلاميذ" [7].
ومن هذا المنطلق، فإن بيداغوجيا حل المشكلات، لا تتوخى فقط تنمية الجانب العقلي والذهني لدى التلميذ، بل تتوخى كذلك تنمية مواقف إيجابية،مثل التعاون والمبادرة والمسؤولية، ومن ثمّ، فهي تختلف عن أهداف التربية التقليدية التي ترتكز على المادة الدراسية، كما تختلف عن التربية التي ترتكز على البعد الفرداني في عملية التعلم [8]. إن هذه البيداغوجيا تهدف إذن، إلى إثارة المتعلم وتحفيزه، بحيث تصبح المشكلة التي يبحث لها عن حل، بمثابة مسألة شخصية، وليس مجرد استجابة لطلبات المدرس. ولذلك حددت مبادؤها الأساسية في:
* الانطلاق من الحوافز الداخلية للتلاميذ والاستجابة لحاجياتهم.
* الاعتماد على الجهد الشخصي للتلاميذ في التعلم الذاتي.
* التركيز على روح البحث والاكتشاف والنقد والتعاون[9].
وتبدو هنا حاجة المدرس ماسّة لضبط هذه المفاهيم، بغيةأجرأتها وتصريفها في الممارسة الفعلية. وستصبح المفاهيم المقترنة ببيداغوجيا الكفايات وبيداغوجيا حل المشكلات، وما يرتبط بهما من قضايا التعلم الذاتي وإنجاز المشاريع، هي مجال التكوين المستمر بامتياز، والتي بدونها لا يمكن مسايرة التحولات الحاصلة على المستوى البيداغوجي.
3.2.مجال الديداكتيك والتدريس بالمجزوءات:
هناك ارتباط بين الجانب البيداغوجي والجانب الديداكتيكي في عملية التكوين؛ وذلك من منطلق أن المنهجية البيداغوجية المتبعة – وهي بيداغوجيا الكفايات – تستدعي اختيارا ديداكتيكيا ملائما. ونعتقد بأن التدريس بالمجزوءات، يشكل الإطار المناسب لتفعيل مقتضيات هذه البيداغوجيا. فما هي الخلفية البيداغوجية والسوسيو ثقافية، الثاوية وراء التدريس بالمجزوءات؟ ولمن تعطى الأولوية في إطار هذا التدريس، هل للمضامين المعرفية؟ أو للكيفية التي يكتسب بها المتعلم معارفه؟ أم لحاجيات هذا المتعلم، الوجدانية والاجتماعية ولحوافزه؟
ولِنُشر على الفور، بأن التدريس بالمجزوءات، يستند إلى خلفية البيداغوجيا الفارقية Pédagogie différentielleوعلى نظريات التعلم الذاتي. فلقد أظهرت الأبحاث في مجال هذه البيداغوجيا، بأن المتعلمين يتميزون بعضهم عن بعض، نظرا لمتغيرات نفسية وبيئية واجتماعية. ولذلك، كان من الضروري مراعاة خصوصياتهم الذاتية، بتبني مبدأ المنافسة والسير بإيقاعات متنوعة حسب نوعية هؤلاء المتعلمين. والهدف من ذلك، هو السماح لكل متعلم بتحقيق مردودية، تعبر عن قدراته ومؤهلاته، في إطار ما يعرف بالتعلم الذاتي.والمقصود بهذا المفهوم، تنمية المتعلم لشخصيته عبر المبادرة الذاتية والفعالية واتخاذ القرار، بغرض اكتساب المعارف والكفايات وإغناء الثقافة العامة والمهنية وإعادة تحيين المضامين، والتمرن بشكل عملي على مجالات لا يتوفر فيها المتعلم إلا على معرفة نظرية. وباختصار، فإن التعلم الذاتي يهدف إلى دمج المعرفة بالحياة. فالمتعلم هو صاحب المبادرة في عملية التكوين، لأنه هو المطالب بحل المشاكل التي ستواجهه. وسيكون دور المكون هنا، هو التوجيه وتنظيم سيرورة التكوين. فكيف يمكن للتدريس بالمجزوءات، أن يساهم في إقرار التعلم الذاتي وتدبير المتعلم للمعارف وتنمية شخصيته وإنجازمشاريعه؟ وقبل ذلك، ما المقصود بالمجزوءات ؟
3.2.1. في دلالة المجزوءة:
تعتبر المجزوءة أو المصوغة أو الوحدة التعليمية، كتنظيم خاص للمادة وكطريقة للتدريس، تساهم في تنمية استقلالية المتعلم، عبر مشاركته الفعالة في سيرورة التكوين وإنجاز أعمال تطبيقية ومشاريع شخصية؛ والعمل على حل مشكلاته بنفسه، ضمن عملية التقويم الذاتي، فطريقة التدريس بالمجزوءة، تختلف عن الطريقة التقليدية المألوفة، لأن المتعلم يقوم في إطارها بأنشطة متعددة، يكتسب من خلالها خبرات  وكفايات متنوعة. لذلك، فإن المجزوءة تشكل سلسلة من الخبرات وأنواع النشاط التعليمي، التي تتعلق بموضوع دراسي أو مشكلة يهتم بها المتعلم ويعالجها بتوجيه من المدرس. والهدف من ذلك، هو تعزيز روح المبادرة لدى هذا المتعلم وتأهيله لبناء معرفته بنفسه وإعداده لحل مشكلاته والحكم على إنجازاته. وهو ما يساهم في تدبير الاختلافات السوسيو – معرفية داخل الفصل الدراسي، والتدخل قصد الدعم والتقوية، بهدف تقليص الفوارق الممكنة بين المتعلمين. ويمكن تصور العمل بالمجزوءة، بشكل مختصر، انطلاقا من العناصر التالية:
* تحديد الكفايات المطلوب تنميتها لدى المتعلم؛
* ضبط الأهداف المرحلية الواجب تحقيقها، في ارتباط مع الكفايات المتوخى اكتسابها؛
* ملاءمة المعارف لهذه الأهداف والكفايات؛
* وضع معايير للتقويم، مواكبة للأنشطة البيداغوجية المقترنة بنظام المجزوءات (عروض، أشغال تطبيقية، مشاريع شخصية إلخ...)؛
* بناء وتحديد أوضاع التعلم، انطلاقا مما يعرف بالوضعية المشكلة، حيث يقوم المدرس بإبراز مشكلة معينة ويساهم بمعية التلاميذ، في جمع المعطيات المتعلقة بها، ويساعدهم على إدراك أهميتها ويوجههم إلى البحث عن حلول لها. فالتعلم المراد تنفيذه، في تقدير المدرس، هو الذي يجب أن يتصدر اهتمام التلميذ. وبعبارة أخرى، فإن تفكيره ينتظم حول العائق المراد تجاوزه؛ ومن ثم فالمهمة المكلف بإنجازها، لا تكون سوى ذريعة لتنمية النشاط العقلي المقصود. فالمطلوب هو العمل على خلخلة الأجوبة المألوفة لدى التلميذ وإعداد وضعية تمكنه من توظيف إمكاناته من جهة، ومن العثور على نقط ارتكاز لبحثه من جهة أخرى، حتى يتمكن تدريجيا من توظيف قدراته الجديدة في مبادراته الخاصة [10].
إن هذه العمليات تستدعي اختيارات ديداكتيكية محددة، تأخذبعين الاعتبار الجانب الذاتي في التعلم، وواقع الفروق الفردية لدى المتعلمين، واعتماد أسلوب المشروعات وحل المشكلات، والدور التوجيهي للمدرس. فكيف تتحدد استراتيجية التدريس بالمجزوءات على المستوى الديداكتيكي ؟
3.2.2.الاختيارات الديداكتيكية ومضامين التدريس بالمجزوءات:
يتعلق الأمر هنا، بما يعرف بالمثلث الديداكتيكي، والذي تتحدد في إطاره، العلاقة بين التلميذ والمدرس والمعرفة. فهناك ثلاثة محدودات، وجب أخذها بعين الاعتبار ضمن هذه العلاقة، وهي خصوصية المتعلم، طبيعة المعرفة المُدرّسة ودور المدرّس.
بالنسبة للمسألة الأولى، هناك ضرورة لأخذ الاختلافات القائمة بين التلاميذ بعين الاعتبار؛ وكذلك مستويات اهتماماتهم وتمثلاتهم وثقافتهم. فمعرفة هذه المعطيات، تعتبر شرطا أساسيا للتحفيز على المشاركة؛ وأيضا على منافسة فعّالة تسمح للمتعلم باتخاذ المواقف واختيار الأنشطة التي تناسب اهتماماته وتطلعاته.
وبالنسبة للمسألة الثانية، يطرح السؤال التالي: ما هي المضامين الأكثر نفعا للمتلقي، والتي يمكن أن تفيده في حياته العملية؟ طبعا فإن الجواب يستدعي تحديد المضامين المرتبطة بالتدريس بالمجزوءات والكيفية التي يكتسب بها المتعلم معارفه، إذ المطلوب، هو إعطاء معنى لما يتعلمه التلميذ، وذلك من خلال ترسيخ المعارف داخل العالم المألوف لدى هذا الأخير، أي في ارتباط مع تمثلاته وتصوراته التي تشكل بنية استقبال كل المعارف وإدماجها ضمن مشاريعه الشخصية. فالتدريس بالمجزوءات، لا يرتكز على خطاب المدرِّس الذي يُبلغ المعارف، وإنما يضع نشاط التلميذ في مركز اهتمامه. وذلك عملا بالقاعدة البيداغوجية: "التحدث قليلا وتفعيل الآخر كثيرا، مع ملاحظته أثناء فعله"؛ فالتعلم هو على الدوام، نتاج نشاط شخصي للتلميذ، أي نتاج تنظيم ذاتي لتجربته [11]. وفي هذا الإطار، فإن التكامل بين المواد الدراسية يعتبر ضروريا، لأن تنميةالكفايات وتطوير المواقف وتلبية الحاجيات الفكرية والوجدانية للمتعلم، لا يمكن أن تتم إلا من خلال تداخل المواد وتكاملها Interdisciplinarité.
وبالنسبة للمسألة الثالثة، فإنالمدرس الذي ستتوزع مهامه بين التوجيه والتنشيط والتكوين والتقويم، مطالب بمتابعة سيرورة التعلم في لحظاتها المتنوعة، والاطلاع على الصعوبات التي تواجه المتعلم ودفعه إلى الوعي بأخطائه، وبالتالي، تغيير سلوكاته واكتساب الكفايات التي تساعده على النجاح في مهمته. ويطرح هنا، مفهوم التعاقد البيداغوجي والديداكتيكي الذي يسمح بإقامة علاقة مؤسسة على الحوار والاحترام والتحفيز. ولا يكتسي التعاقد أهميته على المستوى الوجداني والاجتماعي فحسب، بل إن فعاليته تبرز أيضا على المستوى المعرفي. فبالإضافة إلى مساهمتهفي حسن سير الفعل التعليمي التعلمي، وتحقيق شروط علائقية جيدة على المستوى التواصلي، أساسها الاحترام المتبادل، فإنه يساعد المتعلم على مراجعة سلوكاته المعرفية، كما قد يؤدي بالمدرس إلى إعادة النظر في أساليب وطرق الاشتغال، سواء من حيث تنظيم المعارف وتدبير زمن اكتسابها وتقويم هذا الاكتساب، أو من حيث التعامل مع تمثلات التلاميذ وتصوراتهم.
وهكذا، نستنتج بأن التدريس بالمجزوءات، يساهم في تكريس قيم الحرية والمبادرة والتعاون، سواء بالنسبة للتلميذ أو بالنسبة للمدرس. فمن خلاله يمكن للمتعلم أن ينجز مشروعه الخاص وأن يعتمد في اكتساب المعارف والكفايات، على مؤهلاته الذاتية، وأن يختار في تكوينه بين المجزوءات التي يعتبرها أساسية والمجزوءات التكميلية. كما يمكن للمدرس أن يوجه الأنشطة التعليمية، حسب ما يراه ملائما لتلبية حاجيات المتعلم ومساعدته على إنجاز مشاريعه وحل مشاكله؛ وهنا تبرز حريته ويتحدّد دوره، بحيث يصبح هو الموجّه والمنشط والمكوّن.
ولهذه الاعتبارات، لم يكن اختيار العمل بنظام المجزوءات في أفق إصلاح منظومتنا التعليمية، بالأمر المفاجئ، لأن هذا النظام يتلاءم مع الاختيارات والتوجهات في مجال القيم والكفايات والمضامين وتنظيم الدراسة، والتي هي بمثابة أجرأة لمبادئ الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
وفي هذا الإطار، تم توزيع المجزوءات بالنسبة للسلك الثانوي التأهيلي، كما يلي:
*المجزوءات الإجبارية، ذات الارتباط العضوي بطبيعة القطب، والمنتمية إلى المواد التي ستكون موضوع الامتحان النهائي الموحد على الصعيد الوطني، للحصول على شهادة الباكلوريا.
*المجزوءات الإجبارية المكملة، والتي ستكون موضوع الامتحان الموحد على الصعيد الجهوي، في نهاية السنة الأولى التأهيلية.
*المجزوءات الاختيارية، ذات الارتباط بالمكونين الأولين، والتي تساعد على تيسير المرور من قطب لآخر، أو على التهيئ لولوج مؤسسات التعليم العالي.
ويقتضي تنظيم الدراسة بالمجزوءات، ما يلي:
- إعطاء نفس الأهمية ونفس الغلاف الزمني لكل المجزوءات، كيفما كانت المادة الدراسية التي تنتمي إليها؛
- إدراج الغلاف الزمني الخاص بالتقويم التكويني الملازم للتعلم، ضمن الغلاف المخصص لكل مجزوءة؛
- اعتماد المجزوءات التي شكلت موضوع تعلم ذاتي، في إطار مشاريع مؤطرة من طرف الأساتذة؛
- تخصيص مجالات زمنية للأنشطة الموازية، ضمن الحصة الأسبوعية[12].
طبعا، فإن هذه المقتضيات تندرج في إطار بيداغوجيا فعّالة، تؤكد على أهمية التعلم الذاتي وتدبير الزمن المدرسي والتكامل بين المواد الدراسية؛ وعلى الأنشطة البيداغوجية والمشاريع الشخصية. وهو ما يستدعي توفير الشروط المؤسساتية لإنجازها، سواء على مستوى البنيات التحتية (مختبرات، محترفات، مكتبات، قاعات مجهزةإلخ...)، أو على مستوى العلاقات التربوية، التي يجب أن تسودها من الناحية التواصلية، روح الديمقراطية والعقلنة. وغني عن البيان، أن هذه المقتضيات هي التي يتعين تنشيطها في عمليات التكوين المستمر، استجابة لمتطلبات الإصلاح التعليمي المنتظر.
 
3.3.المضامين المعرفية ومسار التكوين:
إن الاختيارات البيداغوجية والديداكتيكية السالفة الذكر، تستدعي أيضا اختيارات ملائمة على مستوى المضامين المعرفية. وقد حددت الوثيقة الإطار لمراجعة المناهج التربوية وبرامج تكوين الأطر، مجموعة من الاختيارات والتوجهات، تأخذ بعين الاعتبار مواصفات المتعلمين والكفايات الواجب اكتسابها؛ وذلك حسب أسلاك التلعيم الثلاثة: الابتدائي، والثانوي الإعدادي، والثانوي التأهيلي؛ وحسب كل قطب من أقطاب التعليم الخمسة، بالنسبة للسلك الأخير، المقصود بذلك: قطب التعليم الأصيل، الآداب والعلوم الإنسانية، الفنون، العلوم ثم التكنولوجيات. وتحدد هذه الاختيارات كما يلي:
*اختيارات تقر بتفاعل الخصوصي بالكوني، مثل الانطلاق من اعتبار المعرفة إنتاجا وموروثا بشريا مشتركا، واعتبار المعرفة الخصوصية جزءا لا يتجزأ من المعرفة الكونية، واعتماد مقاربة شمولية، عند تناول الإنتاجات المعرفية الوطنية في علاقتها بالإنتاجات الكونية، والعمل على استثمار عطاء الفكر الإنساني عامة، لخدمة التكامل بين المجالات المعرفية.
*اختيارات تقر بتنوع المقاربات والمضامين وبالروح النقدية الثاوية خلفها، مثل اعتمادمبدأ التكامل والتنسيق بين مختلف أنواع المعارف؛ واستحضار البعد المنهجي والروح النقدية في تقديم محتويات المواد[1]. ولما كان تفعيل هذه الاختيارات يعتمد مجالي القيم والكفايات كمداخل بيداغوجية، فقد حُدّدت المواصفات المرتبطة بالقيم، وبشكل إجمالي، في جعل المتعلم بالسلك الثانوي التأهيلي، منفتحا علىقيم ومكتسبات الحضارة الإنسانية المعاصرة، ومتشبعا بقيم الحداثة والديمقراطية وبروح الحوار والتسامح وقبول الاختلاف؛ وقادرا على المشاركة الإيجابية في الشأن المحلي والوطني وعلى المساهمة في تدبير محيطه وتنميته، وأيضا ممارسا لمواطنته وللاستقلالية في التفكير والممارسة.
وتستند هذه المواصفات على ما يعرف بالمرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين، التي حددها الميثاق الوطني في خمسة؛ نذكر من بينها، المرتكزالثاني الذي جاء فيه: "...يربَّى المواطنون مشبعين بالرغبة في المشاركة الإيجابية في الشأن العام والخاص، وهم واعون أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم[...] متشبعون بروح الحوار وقبول الاختلاف وتبني الممارسة الديمقراطية، في ظل دولة الحق والقانون". والمرتكز الرابع الذي جاء فيه ما يلي: "يندرج النظام التربوي في حيوية نهضة البلاد الشاملة، القائمة على التوفيق الإيجابي بين الوفاءللأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة، وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع مقومات هويته في انسجام وتكامل، وفي تفتح على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات وأنظمة تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته" [2].
أما المواصفات المرتبطة بالكفايات والمضامين، فتتحدد في جعل المتعلم متمكنا من القدرات المتمثلة في تعديل سلوكاته واتجاهاته وبلورة مشاريعه؛ ومتمكنا أيضا من مهارات البرهان والتواصل والتعبير وتنظيم العمل والبحث المنهجي، وقادرا على التعلم الذاتي والتكيف مع المتغيرات والمستجدات وملاءمتها مع حاجياته وحاجات المجتمع [3]. وتفيد هذه المعطيات، بأن المدخل البيداغوجي المتعلق بالكفايات والقيم، يروم تحقيق ثلاثة أشكال من تعلم المعارف، هي: الإتقان savoir-faire وحسن التواجد savoir-être  وحسن التخطيط للمستقبل savoir-devenir. وهذا الإدماج الوظيفي للمعارف والدرايات، هو الذي يسمح للمتعلم بمواجهة الوضعيات وحل المشاكل المرتبطة بهذه الوضعيات والتفكير في المشاريع التي ينوي تحقيقها في المستقبل.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار مادة الفلسفة، من بين المواد الأكثر انفتاحا على قضايا التعلم الذاتي وطريقة حل المشكلات والإبداع والنقد، أثناء تناولها ومعالجتها للمعارف. فما هي تجليات ذلك على درسها وعلى مسار التكوين فيها؟
4.بيداغوجيا الكفايات ومنتظرات درس الفلسفة:
في أفق مراجعة المناهجالتربوية والاختيارات الهادفة إلى إصلاح منظومة التربية والتكوين، تطرح على مدرس الفلسفة مسألتان أساسيتان. تتعلق أولاهما باعتماد التدريس بالمجزوءات، وما ينتج عن ذلك من تحديد دقيق للغلاف الزمني، ومن تركيز على أنشطة التعلم وإنجاز المشاريع، في إطار بيداغوجيا الكفايات. أما المسألة الثانية، فتخص مراجعة برامج ومقررات مادة الفلسفة واقتراح مواضيع جديدة على شكل مجزوءات مثل: الحجاج، الجسد، الحداثة، الذات، التواصل، المعنى واللامعنى، الإبداع، السلطة والعنف، العين والفكر، أي ما يشكل أكثر من40% من مجموع البرنامج المقرر؛ مع توزيع هذه المجزوءات، وفق الكفايات المطلوب اكتسابها بالنسبة لكل قطب من الأقطاب الخمسة:
 4.1. تدريس الفلسفة اعتمادا على بيداغوجيا الكفايات:
أشرنا من قبل، إلى أن من بين إيجابيات التدريس بالمجزوءة، التركيز على أهمية التعلم الذاتي والأنشطة البيداغوجية والمشاريع الشخصية، وهذا ما تروم بيداغوجيا الكفايات تحقيقه. وقد سبق للمنهاج الخاص بمادة الفلسفة والفكر الإسلامي، أن أقر بأهمية وأفضلية العمل بمفهوم الكفاية "الذي يشمل في مدلوله البيداغوجي، مفهومي القدرة والمهارة بمعناهما المركب، أي أنه لا يحيل على أفعال ذرية معزولة، وإنما يحيل على قدرات ومهارات متعددة ومتصلةومؤتلفة، في بنية عقلية أو سلوكية أو وجدانية قابلة للتكييف والملاءمة مع وضعيات جديدة" [4].
انطلاقا من ذلك، سيتم تحديد أربعة أصناف من الكفايات، يطمح "المنهاج" في إكسابها للتلاميذ، وهي:
* الكفايات التواصلية، التي تتخذ شكلا كتابيا وشكلا شفويا، يتمثل في الإصغاء والكلام والقراءة.
* الكفايات المنهجية، التي تقترن بما يسمى بالأهداف النواتية objectifs noyaux المتمثلة في بناء المفاهيم الفلسفية، واستخراج الإشكاليات ومعالجتها عن طريق استدعاء أطروحات الفلاسفة بمنطقها الحجاجي والبرهاني.
* الكفايات المعرفية والثقافية، التي تروم توسيع الأفق الفكري والمعرفي للمتعلم، عبر تكوين ثقافة فلسفية متنوعة.
* الكفايات القيمية، التي تنشد ترسيخ حرية التفكير واستقلاليته والحوار والاحترام المتبادل [5].
والملاحظ، أن مراجعةبرامج الفلسفة، حافظت على هذه النواة الصلبة من الكفايات، مع تعديل بسيط، همَّ الكفايات الأخيرة، التي استبدل فيها لفظ "قيمية" بلفظ "استراتيجية". وبناء على ذلك، ستتحدد الكفايات الاستراتيجية في مجموعة من القدرات التي يراد إكسابها للمتعلم، مثل: القدرة على الاستقلال في اتخاذ المواقف وممارسة التفكير والتحكم الواعي في الاختيارات والقرارات واتخاذ المبادرة والالتزام بشكل إرادي وتحمل المسؤولية والاعتماد على النفس.
وهنا تبرز أهمية التعلم الذاتي في درس الفلسفة، كعملية إرادية لتملك وتطوير المعارف والكفايات؛ وكمشروع للتنمية الشخصية وللتدبير الذاتي للموارد وللوسائل البيداغوجية. ومن أهم تجليات هذا التعلم، هناك التفكير الذاتي الذي يحفز المتعلم على إعادة النظر في آرائه، عبر تفكيك تمثلاته وإعادة بنائها بطريقة شخصية. وهو ما يساهم في تطور ملكات التفكير والحكم الذاتيين لديه، عبر تمفصل سيرورات المفهمة والأشكلة والمحاججة[6]. ذلك أن هذه السيرورة تكشف عن الفعالية الذاتية للتفكير، أي عن قدرة الذات على مزاولة المساءلة والنقد ومحاولة حل المشاكل التي تعترض الفكر، مما يساهم في تنمية شخصية الفرد، وتعزيز انخراطه في الحياة العملية، انطلاقا من حرية إرادته ووعيه بذاته وبالعالم.
4.2. مراجعة البرامج وآفاق التكوين في الفلسفة:
كما هو معلوم، فإن مراجعة برنامج الفلسفة واقتراح مجزوءاته وتوزيعها بشكل يتلاءم مع الأقطاب والشعب والدورات، قد استندت على الكفايات والقيم ومواصفات المتعلم كمداخل. والغرض من ذلك، هو تمكين هذا الأخير من ثقافة فلسفية متنوعةومتكاملة في مختلف المجالات التي تهم الإنسان والعالم؛ ودفعه إلى اكتشاف مناهج التفكير الفلسفي واستعمالها أثناء عملية التفلسف واستثمارها في حياته الفكرية والعملية.
وفي هذا الإطار، تم تحديد المجزوءات انطلاقا من خصوصيات القطب أولا، ووفق تميز الشُّعب داخل نفس القطب ثانيا. ففي قطب التعليم الأصيل مثلا، يتميز برنامج الفلسفة في شعبة اللغة العربية، بالتركيز على الجانب التواصلي والحقوقي الإنساني، تحقيقا للتكامل مع طبيعة المواد المكونة لهذه الشعبة والمتمحورة أساسا حول اللغة والقيم المحمولة بها [7]. أما في شعبة العلوم الشرعية فيتمحور البرنامج حول المنطق في صورته الحجاجية، مع الانفتاح على المجال السيكولوجي والميتافيزيقي[8]. وفي قطب الآداب والإنسانيات المتضمن لثلاث شعب، سيتم تبرير اختيار المجزوءات كما يلي:
*بالنسبة لشعبة اللغات والآداب، اختير برنامج الفلسفة، لتمكين المتعلم من تكوين ثقافة فلسفية عامة متنوعة ومتعددة الأبعاد، لكي يكتسب قدرات فكرية فلسفية، قابلة للنقل والاستثمار في مختلف المجالات النظرية والعلمية والمهنية[9].
*وبالنسبة لشعبة العلوم الإنسانية، فقد تمحور البرنامج حول علوم الإنسان، ممثلة في السوسيولوجيا والسيكولوجيا، مع الانفتاح على مجالات الفنون والأبعاد الاجتماعية والتطور المعرفي والتكنولوجي المعاصر [10].
*وبخصوصشعبة العلوم الاقتصادية، فقد تم التركيز على حقل السوسيولوجيا في مقاربته للفرد والمجتمع وللتحولات الاجتماعية وأشكال التنظيم والتبادل الاجتماعي، مع الانفتاح على المجالات العلمية والفنية والتقنية [11]. وبذلك، فإن المجزوءات المعتمدة داخل هذا القطب والموزعة حسب نوعية كل شعبة، ستتحدد كما يلي: السيكولوجيا، السوسيولوجيا، العقل، الإبداع، السلطة والعنف، التواصل، الحق المعنى واللامعنى، الحداثة، الفرد والمجتمع، الحجاج، الشغل.
وتجدر الإشارة إلى أن ما سميناه بتحديد المجزوءات وفق تميز الشعب، يظل أمرا نسبيا، إذ أن عملية توزيع المجزوءات بين الشعب، قد لا يطرأ عليها أي تغيير، كما هو الشأن بالنسبة لشعب قطب التكنولوجيات أو التعليم الأصيل؛ وقد يكون التعديل طفيفا، كما هو الشأن بالنسبة لشعب الأقطاب الأخرى.
وما يهمنا من كل هذا، هو الوعي الحاضر لدى المقررين والفاعلين التربويين بضرورة ربط فعل التفلسف، بمتطلبات الحياة الفكرية والعملية للمتعلم، وهو ما يستجيب لمقتضيات بيداغوجيا الكفايات، الهادفة إلى تفعيل البحث عن حلول للمشاكل التي تطرحها وضعيات التعلم؛ وأيضا عن كيفية إنجاز المشاريع والإبداع، اعتمادا على القدرات والمهارات المتوفرة. وهنا يرتبط فعل التفلسف كتفكير ذاتي، بالحياة؛ حيث تتم تعبئة كل الموارد المعرفية والمهاراتية، لتحقيق مردودية في المجال التربوي وعلى مستوى المحيط السوسيو- اقتصادي بشكل عام.
وغني عن البيان، أن تحقيق هذه الأوضاع، يتطلب متابعة تربوية ومعرفية للمتعلمين وتقويما مستديما لأنشطتهم وسلوكاتهم ومعارفهم. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التكوين المستمر في المجال المعرفي بالنسبة للمكونين؛ وذلك بغرض تحيين معارفهم وتعميقها. فما هي أهم المجالات التي يتطلبها هذا التكوين، لكي يستجيب فعلا لمقتضيات الإصلاح التربوي المرتقب ؟
يمكننا تلخيص هذه المجالات في ثلاثة: يتعلق أولها، بآليات التفكير والحجاج، المواكبة لمسار الخطاب الفلسفي. ويخص الثاني، قضايا الإبستمولوجيا وفلسفة العلوم وما يرتبط بها من مسائل ذات الصلة بمفاهيم النظرية والنسق والبراديغم (الأنموذج) إلخ. ويهم الثالث، قضايا فلسفية راهنة، وتحديدا قضايا التواصل والحداثة والاختلاف والحق.
بخصوصالمجال الأول، فلقد أثبتت الدراسات في البلاغة والمنطق والحجاج (بيرلمان، مايير، غزانجي، طه عبد الرحمن...)[12]، بأن القول الفلسفييعتمد أساليب استدلالية متنوعة؛لذلك، فإن الخاصية الحجاجية للفلسفة، تغلب على الخاصية البرهانية المنطقية لديها، وهو ما يفسر لجوء الفلاسفة إلى الاستعارة والمجاز والتمثيل لتدعيم حججهم. وقد أشار بيرلمان في هذا الإطار، بأنه من الممكن كتابة تاريخ الفلسفة كله، بالتركيز لا على بنية الأنساق، ولكن على التمثيلات التي توجه تفكير الفلاسفة، ((فمن القطعي أن الفكر بوسعه الاستغناء عن التمثيلات التي تبنيه وتجعله معقول المعنى))[13]. وهذا يعني التعامل مع الخطاب الفلسفي، باعتباره قائما على التنوع الحجاجي وعلى أشكال العقلانية المترتبة عن هذا التنوع، مما يضفي عليه خاصية صراعية ونشاطا، يسمه بالإبداعية والتنوع المستمر.
بخصوص المجال الثاني، إذا كانت الإبستمولوجيا، على حد تعبير باشلار، هي دراسة تحليلية ونقدية للمعارف العلمية، بغية استخلاصالعوائق التي ترجع إلى ذات العالم نفسه أو إلى طبيعة الموضوع العلمي، فهذا يعني أن الإشكاليات الإبستمولوجية هي مجال لطرح قضايا تهم منطق الفكر العلمي والفلسفي. وبهذا الصدد، تطرح مسائل النظرية والنسق والنمدجة، فضلا عن الإشكاليات الجديدة التي تثيرها العلوم المعرفية، من قبيل الذكاء الاصطناعي ومسألة الإبداع إلخ...
فمن خلال مفهوم النسق، نستطيع تحديد مجموعة من العناصر ذات العلاقات المترابطة والمتبادلة فيما بينها؛ ويرتبط هذا المفهوم بالبراديغم (الأنموذج) الذي يعتبر بمثابة موجه للملاحظات، وكمساعد على فهم الظواهر وإعادة صياغة التطورات المتعلقة بها، ويرتبط أيضا بالنظرية التي تعني، في دلالتها الحصرية، مجموعة من المقترحات التي تشكل نظاما، نستخرج عبرها نتائج، نواجه بفضلها معطيات التجربة.
وهنا تطرح قضايا بناء المعرفة في حقل العلم وعلاقة النظرية بالتجربة والذات بالموضوع. وهي القضايا التي أثيرت ضمن أعمال ابستمولوجيين بارزين، أمثال: باشلار، بياجي، بوير، فايرباند، طوماس كون الخ.. [14].
* أما بالنسبةللمجال الثالث، فإن الانفتاح على قضايا التواصل والحداثة والاختلاف والحق، فإنه يشكل مناسبة للوقوف على الاهتمامات الراهنة للفكر الفلسفي، على المستوى الأنطولوجي والأخلاقي والسياسي. فموضوع التواصل وثيق الصلة بقضايا الحواروالنقاش والاتفاق والإجماع وعلاقة الأنا بالآخر، وأيضا بالاختلاف بما هو تجاوز لكل البداهات والقناعات الناشئة، ورفض لمبادئ الأصل والهوية والمركز. ويجب أن يخترق فكر الاختلاف كل مستويات الحياة المعيشية، عبر تفكيك البناء الذي يقوم عليه التفاوت الاجتماعي ونظام الإكراهات، باسم الحق في الاختلاف وفي حرية التعبير، من أجل ثقافة حداثية وديمقراطية.
وتبرز هنا أيضا، الحاجة إلى فكر الحداثة الذي يقر بفعالية الذات وحريتها ووعيها بشرطها التاريخي وبالعالم المحيط بها. كما تبرز أهمية المبادئ الحقوقية، المتعلقة بحقوق الإنسان والمواطن والمقترنة بالثقافة الديمقراطية المنبنية على الحوار والتسامح ونبذ العنف والتطرف. وهي القيم التي تدافع عنها الفلسفة والتي يجب على المشتغلين بها، ترسيخها نظريا وعمليا: نظريا بتعميق معارفهم حولها، وعمليا بالمساهمة الفعلية في انتشارها داخل الفضاء العمومي. ويمكن في هذا الإطار، الاستئناس بأعمال العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين نذكر من بينهم،هايدجر، هابرمان، دريدا، راولز، رورتي الخ...[15].
خلاصــة:
يتضح من المعطيات السابقة، أن النهوض بالممارسة التربوية والمساهمة في تحقيق الجودة المطلوبة بالنسبة للمنتوج التربوي، وتأهيل المتعلمين للتكيف مع متطلبات محيطهم السوسيو – اقتصادي؛ تقتضي اعتماد بيداغوجيا الكفايات وحل المشكلات، في إطار ما يعرف بالتعلم الذاتي. وغني عن البيان، أن مجالات هذا التعلم متنوعة، فهي تهم توسيع الثقافة العامة والمهنية، وتحسين المعارف المدرسية أو الجامعية وتنمية كفايات جديدة، مع تعميق الكفايات القائمة؛ وإنجاز حلول عملية لقضايا معروفة نظريا فحسب[16]. ويمكن لعملية التعلم الذاتي، في ضوء ذلك، أن تخضع لثلاثة مبادئ أساسية، هي:
* مبدأ الأساس أو القاعدة principe de socle، ومفاده أننا نتعلم ذاتيا بشكل أفضل، في المجالات التي نتوفر فيها على معلومات ومعارف سابقة؛
* مبدأ المفهوم Principe de concept ، والذي يعني بأن هناك إمكانية لدى المتعلم، لمباشرة الجانب النظري للتعلم بمفرده، انطلاقا من معطيات نظرية أخرى مكتسبة، مما يحفزه بشكل أكبر ويسهل عملية اكتسابه لكفايات جديدة؛
* مبدأ المنهج principe de méthode، والمقصود به أنه من الممكن تعلم كل شيء تقريبا، شريطة التوفر على منهجية دقيقة للعمل. فهذه المنهجية، هي الموجهة للمشاريـع وأهداف كل من يروم تحقيق نجاح فعلي في مهامه، انطلاقا من مجهوداته الذاتية [17].
من جهة أخرى، فإن تأهيل المتعلمين وضمان جودة إنجازاتهم ومسايرتهم للمتطلبات الجديدة للواقع التربوي والمجتمعي، تقتضي إلمام المكونين بمختلف المستجدات المتعلقة بالفعل التعليمي التعلمي، سواء على المستوى البيداغوجي أو الديداكتيكي أو المعرفي. وبصيغة أخرى، فإن المكون نفسه، في حاجة إلى تكوين، يعمق من خلاله معارفه المكتسبة، ويواكب ما تشهده المنظومة التعليمية والحياة العملية من تحولات. إذ ينبغي النظر إلى المؤسسة التربوية((كأفق لإبداع المستقبل وتطوير للحركية الاجتماعية. كما ينبغي أن ينظر إلى التكوين بالمعنى الذي لا يختزل فيه الإنسان إلى مجرد يد داعمة؛ بل كذات فاعلة، عاقلة، مفكرة ومتذوقة، كذات منفتحة وطموحة[...]، إن الانفتاحيجب أن ينظر إليه بالمعنى الإنساني، بالمعنى الذي ينفتح فيه الفرد على الثقافة العامة وعلى الحرية وعلى الإحساس بالمسؤولية وعلى التشبع بقيم التفكير المتنور))[18].
وبالنسبة لمادة الفلسفة، فإن تحيين المعارف المتعلقة بها، وتجديد طرق تدريسها، عبر مواكبة المستجدات الديداكتيكية والبيداغوجية، تعتبر كرهانات أساسية مطروحة على عملية التكوين المستمر. لكن، لا يمكن لهذه العملية أن تحقق أهدافها، المتمثلة في ضمان جودة التأهيل وتنمية روح الإبداع والنقد، إلا إذا ما أخذت بعين الاعتبار، ثلاثة مقتضيات على الأقل، هي:
- أولا: الوعي بضرورةالتكوين المستمر بمختلف أشكاله(حلقات تكوينية على المدى القصير، ندوات وموائد مستديرة، ورشات تطبيقية، تكوينية على المدى القصير، تكوين عن بعد)، وما يقترن به من تعلم ذاتي وإنجاز للمشاريع الخ...
- ثانيا: تشخيص وضع مادة الفلسفة في الثانوي التأهيلي والعالي، وانخراط الفاعلين في حقل الفلسفة، بما في ذلك من جمعيات المجتمع المدني، في نقاش بناء حول أهمية الفلسفة في المسار الحالي لمجتمعنا وحول الدور التربوي والاجتماعي لمدرسي الفلسفة.
- ثالثا: تفعيل البحث العلمي المتعلق بالتكوين المستمر في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية، بهدف إبراز أهميته في مواكبة التطورات التي يعرفها حقل التربية والتعليم. وهذه المهمة موكولة طبعا للفاعلين بشعب الفلسفة ووحدات التكوين بها، بالكليات والمدارس العليا، وأيضا للفاعلين في مجال تدريس الفلسفة من مدرسين بالثانويات التأهيلية، ومفتشين تربويين بالأكاديميات. وهي أيضا مسؤولية الدولة والقطاع الخاص، المطالبين بتشجيع البحث العلمي وتدعيمه ماليا. فبدون هذا الدعم، لا يمكن مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المطروحة على مجتمعنا، في فجر هذه الألفية الثالثة التي تعولم فيها كل شيء.
وختاما نقول، إن مسار التكوين في الفلسفة، لا يمكن أن يعكس الدينامية التي يعرفها مسار المجتمع على مختلف المستويات. هذه الدينامية، التي نريدها أن تكون عنوان المرحلة الجديدة لمسار منظومتنا التربوية، المطالبة بتثبيت دعائم ثقافة الاعتراف والاختلاف، كخطوة أساسية في المسار الديمقراطي.
فأجرأة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، تقتضي أساسا وبشكل خاص، إصلاح تدريس الفلسفة، لأن رهان التكوين في الفلسفة يتعلق بسير مجتمعنا وبمستقبله: إنه رهان الحداثة والعقلانية والديمقراطية وإقرار قيم الحق والمواطنة.
ولن يحتاج المرء إلى عناء كبير للتأكد، بأن هذه المبادئ والقيم، قد خرجت من منعطف الفلسفة ذاتها.
       
 
        
 
 عز الدين الخطابي
 *أستاذ باحث، شعبة الفلسفة،
          المدرسة العليا للأساتذة بمكناس.
 
المصــــدر: علامات تربوية     العدد 20 ـ 2006
 
مجلة تربوية ثقافية تصدرها أكاديمية فاس- بولمان مرتين في السنة

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home




آخر المقالات

نموذج الامتحان المحلي الموحد-وحدة اللغة العربية-المستوى : السادس
نموذج الامتحان المحلي الموحد-وحدة اللغة الفرنسية-المستوى: السادس
الحياة المدرسية
الاسرة والمدرسة :النواة الصلب في تماسك البنى الاجتماعية
الطفل المغربي و أساليب التنشئة الإجتماعية بين الحداثة و التقليد
الجودة في التعليم
مشروع المؤسسة
تنـمـية الذكاء عند الأطفال
الوسائل التعليمية - تقنيات التعليم
التدريس الفعال
اللعب عند الأطفال ··· عبث أم إبداع واستكشاف ؟!
المدرسة والأسرة: واجهة مركزية في الإصلاح وتعميق التماسك في لحمة المجتمع
مفهوم الجودة من خلال الميثاق الوطني للتربية و التكوين
أساليب تربوية في التعامل مع الطفل
المؤسسات التربوية والتعليمية ودورها في تحقيق معنى الوطنية
اللعب يحقق للطفل توازنه النفسي
اختلاف وجهات النظر حول العقاب البدني
المعلم والمجتمع
مهنة التعليم
تكنلوجيا التربية و القابلية الابتكارية-
الوسائل التعليمية: مفهومها ـ فوائدها ـ أنواعها
شروط التواصل الايجابي في المدرسة المغربية
مشروع المؤسسة للارتقاء بجودة التعلم و ملاءمته لمتطلبات الحياة
في سوسيولوجيا الفشل الدراسي
المؤسسات التربوية وأثرها في تربية الفرد والمجتمع
مشـــــــــــــــــــروع المؤسسة
ما هو مشروع المؤسسة ؟
وظائف التكوين المستمر من خلال توجهات الميثاق الوطني للتربية والتكوين
التكوين المستمر ودعم كفايات التنشيط التربوي
إستراتيجية النجاح